ابن قيم الجوزية

180

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وهذا شأن كل معلّم لغيره بأمر : تارة يعلمه بقوله ، وتارة بفعله . ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها ، وأذن بالصلاة فيها - معلما أنها وقف ، وإن لم يتلفظ به . وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار - معلما له ولغيره : أنه يحبه ، وإن لم يتلفظ بقوله . وكذلك بالعكس . وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه وإعلامه : يكون بقوله تارة ، وبفعله تارة أخرى . فالقول : هو ما أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه ، مما قد علم بالاضطرار : أن جميع الرسل أخبروا عن اللّه أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو . وأخبر بذلك . وأمر عباده أن يشهدوا به . وشهادته سبحانه : « أنه لا إله إلا هو » معلومة من جهة كل من بلّغ عنه كلامه . وأما بيانه وإعلامه بفعله : فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة . وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة ، كما يستعمل فيه لفظ الدلالة ، والإرشاد والبيان ، فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره ، كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ . وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا له وكلاما ، لقيامه مقامه ، وأدائه مؤداه . كما قيل : وقالت العينان : سمعا وطاعة * وحدّرتا بالدّر لمّا يثقّب وقال الآخر : شكا إليّ جملي طول السّرى * صبرا جميلي ، فكلانا مبتلى وقال الآخر : امتلأ الحوض ، وقال : قطني * مهلا رويدا ، قد ملأت بطني